Monday, 17 August 2015



سورية وتفتيت العالم العربي

سورية وتمزيق الوطن العربي

بقلم: الباحث والكاتب و الإعلامي العربي الفلسطيني البروفيسور المغترب:

ﺩ. ﻣَﻜﺮَﻡْ ﺧُﻮﺭﻱْ – ﻣَﺨُّﻮﻝ

(ننشر هنا ولاول مرة الترجمة العربية للاطروحة التي نشرها الاكاديمي الفلسطيني البارز الدكتور مكرم خوري – مخْول في ٣ آب ٢٠١٢ في اللغة الانجليزية تحت عنوان : ‘سوريا وتفتيت العالم العربي’، وذلك بمناسبه مرور ثلاثة اعوام على كتابتها ونشرها بمختلف اللغات الاجنبية . وقد اصبحت هذه الوثيقة التاريخية مرجعا عالميا نظرا للرؤية السباقة التي احتوتها الاطروحة والتي تتمحور في ان ما يجري في العالم العربي ما هو الا مخطط لتفتيت العالم العربي بينما كان يُهلل الساسة والمفكرون العرب لما اطلقه الاستعماريون الجدد بـ ‘الربيع العربي’..
ولقد استندت هذه الاطروحة التي انفرد بها د. خوري – مخْول مبكرا وقبل اي مفكر، الى مقالة اخرى له بعنوان ‘الهزيع العربي’ كطرح صلب ضد ما سُُمي خدعة بـ ‘الربيع العربي’ وذلك في ايلول ٢٠١٢. وكان الطرحان الذين سبقا عاصفة الزمن المخدوع ( الذي تم فيه اختراع ‘الربيع العربي’ قد استندا الى تحليل برّاق وسباق (اعتبر مجازفة حينئذ وحتى ٢٠١٤) كان قد طرحه د. خوري – مخول في محاضرة في مجلس اللوردات البريطاني يوم ٣٠ آذار ٢٠١١ (اي بعد اسابيع وجيزة من بدايات الازمات في العالم العربي واسبوعين على الازمة في سوريا) رافضاً فيه اية تسمية ايجابية لما يجري في الوطن العربي كـ ‘الربيع’… واصفاً ما يجرى في العالم العربي بـ ‘الفوضى’… استنادا الى كتابيّ اب الفلسفة السياسية والعلوم السياسية البريطاني توماس هوبس ( ١٥٨٨-١٦٧٩):
” الليفيتان” أو “التنين” و ‘بيهيموث’ او ‘بهائم’. وقد ترجم الاطروحة بشكل تطوعي مشكورا القدير الدكتور بسام ابو غزالة .)
( سوريا وتمزيق الوطن العربي )
بقلم البروفيسور ( د . مكرم خوري- مخول )
( 3 آب 2012 )
بات تصرف الكتلة المتحالفة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد سوريا من الوضوح الصارخ بحيث يجعلنا نفهم ما يحدث في سورية بشكل أفضل. فمن ناحية، نجد أمامنا العاملين السياسيين، كالمجموعة المسماة “أصدقاء سورية” التي قامت لهذا الغرض، ومن ناحية أخرى، هناك شخصيتان عربيتان، كلاهما وزيران خليجيان.
أما المجموعة الأولى، فتضم رؤساء دول يقودها حلف شمال الأطلسي، بخطة إسرائيلية أساسية لا تكاد تخفى، يضعها أمثال برنار-هنري ليفي. وبدل أن يكون هؤلاء أصدقاءَ لسورية، فإنهم يعملون لتأمين مصالحهم المالية في سورية ومن حولها وعبرها. وأما السياسيان العربيان، فهما وزيرا خارجيتي السعودية وقطر، اللذان صرّحا بوجوب تسليح هذه القوى التي تلتزم العنف في العمل ضد الدولة السورية ودعمها ماليا.
باختصار، لعل مؤتمرات هؤلاء الذين يُسمَّون “أصدقاء سورية” ليست أكثر من صيغة “حديثة” لتلك الاجتماعات التي أدارها اللورد كيرْزُن، الذي خاطب، سنة 1903، “مشايخ الساحل العربي” من على سفينة صاحب الجلالة آرغونوت في الشارقة (الإمارات العربية المتحدة اليوم). يقدم القطريون والسعوديون الدعم المالي لـ”المتمردين” للحصول على السلاح، ولدفع المال للمقاتلين المرتزقة، ولأعمال الإمداد في العدوان على سورية. أضف إلى ذلك دعم هؤلاء بخدمات الاتصالات بعيدة المدى، وفن القتال، والإرشاد العسكري الاستراتيجي. وليس غريبا ألا يظهر في وسائل الإعلام المستشارون العسكريون الغربيون الذين يعملون لصالح المجموعات المسلحة من وراء ستار. كذلك تقدم الدول المجاورة المساعدة الجغرافية للمجموعات المسلحة، فيسهّل الأردن مرور المرتزقة القادمين من ليبيا، وتعمل تركيا كقاعدة عسكرية شمالية للعمليات.
يعود تورط تركيا إلى رغبتها في الاصطفاف مع الخط الذي تدعمه السعودية السنية وحلف شمال الأطلسي، وإلى خشيتها من أن تمزيق سورية سيؤدي إلى نهوض مسألة الحكم الذاتي الكردي. فهم يرون أن هذا سيؤدي أخيراً إلى اتحاد بين أكراد تركيا وأكراد كل من العراق وسوريا، مما سيثير حرباً أهلية مع تركيا وما يتبع ذلك في نهاية المطاف من انفصال كردستان عن تركيا وولادة دولة كردية.
أما إسرائيل، فإنها تخطط منذ عقود، كجزءٍ من إستراتيجيتها الهادفة إلى الهيمنة على المشرق والبحر المتوسط، لإضعاف سورية كي تستمر في احتلالها مرتفعات الجولان السورية وتسيطر على مصادر المياه فيها. ومن حيث الجوهر، تريد إسرائيل أن تكون القوة الرئيسية اقتصاديا وعسكريا في المنطقة، والحقيقة أن إسرائيل قد تخرج الفائزة الرئيسية من إضعاف سورية، ولو على المدى القريب.، بحملاتها الإعلامية المنسقة التي تبثها منذ عقود على جمهورها، اختلقت إسرائيل فكرة عن سورية مفادها أنها المهدِّدة الأساسية لوجودها في الوطن العربي. ومما يثير الجدل أن الفراغ في الحكم الذي قد يُختلق في سورية يمكن أن تملأه مجموعات على نمط القاعدة، مما يعطي إسرائيل مبررا كافيا للعمل (ضد سورية و/أو إيران) ويروّج أيضا لفكرة النزاع بين إسرائيل “المتحضرة الديمقراطية” والإسلاميين “المتوحشين”.
بالرغم من الفروقات الكبيرة بين سورية وليبيا، فقد يكون مصير سورية شبيها بمصير ليبيا من حيث التدخل الأجنبي، لولا أن روسيا والصين كلتيهما عارضتا هذا التدخل في الأمم المتحدة، حيث كان بينهما تعاون متناسق. وبالرغم من أن أصول العلاقات الصينية السوفييتية تعود إلى الأيام المبكرة من الثورة الشيوعية عام 1917، يبدو، حتى بعد تفكيك الكتلة الشرقية بعقدين من الزمن، أن الاتحاد الروسي وجمهورية الصين يتبعان، أكثر من أي وقت آخر، مقولة ماو تسي- تُنْغ في خطابه “كونوا ثورييين صادقين” في 23 حزيران 1950. فقد قال ماو تسي- تُنْغ إن “علينا في المجال الدولي أن نتحد بقوةٍ مع الاتحاد السوفييتي”.(راجع أعمال ماو تسي- تُنْغ المختارة، مج. 5، ص. 39). أما ما جعل روسيا والصين أقرب إلى بعضهما بعضاً حول الصراع على سورية، فيتمثل في العقيدة المشتركة، والنظرة إلى العالم، والمصالح الاقتصادية، والأهداف المتعلقة بحقل الطاقة. تُعدُّ السعودية أكبر منتجة للنفط في العالم، تليها روسيا، فالولايات المتحدة، فإيران فالصين.
وفيما يتعلق باحتياطيات النفط، نجد أن أكبر عشر دول هي: (1) فنزويلا، (2) السعودية، (3) كندا، (4) إيران، (5) العراق، (6) الكويت، (7) الإمارات، (8) روسيا، (9) كازخستان، (10) ليبيا.
كما أن روسيا هي أكبر منتج للغاز في العالم، وتعتمد أوروبا عليها كمصدر للغاز. في إنتاج الغاز العالمي، إذا استثنينا الولايات المتحدة وكندا لبعدهما الجغرافي، تقف إيران في المنزلة التالية لهما وتقف قطر في المنزلة الثالثة. وفيما يتعلق باحتياطيات الغاز، تقف روسيا في المنزلة الأولى، بينما تتبوأ إيران وقطر المنزلة الرابعة والسعودية المنزلة السادسة. وبالتجاور مع السعودية كأحد المنتجين العشرة الأوائل للغاز في العالم، يتضح لنا سبب الأهمية الخاصة لمصالح التصدير لدى قطر والسعودية. وينبغي لهذا الترتيب أن يعطينا فكرة واضحة عن التحالف الذي تشكَّل على ضوء النزاع السوري.
السعودية وقطر (اللتان، لولا الظروف المغايرة، لكان من الممكن أن تكونا دولة واحدة وقد تتعرضان لتعديل جغرافي) دولتان عربيتان مسلمتان سنيتان ولهما مصالح اقتصادية. ويفسر جشع قطر في تسويق عقود تزويد الغاز والنفط الليبيين اتفاقَها مع حلف الأطلسي على مهاجمة ليبيا، ومشاركتَها الرمزية في الضربات الجوية، ودعمَها للمتمردين في إقامة قدرة إعلامية.
تهدف قطر إلى تصدير غازها إلى أوروبا، لتنافس روسيا وتكسب لنفسها قدرة في المساومة السياسية. ولكي يكون تصدير الغاز القطري منافسا وذا جدوى اقتصادية، لا بد من تمرير خط أنابيب الغاز عبر سورية. ولما كان هناك تحالف سوري طويل المدى مع روسيا يعود إلى العهد السوفييتي، فمن غير المحتمل أن تسمح سورية بما يزعزع المصالح الروسية في آخر معاقلها الإستراتيجية في الوطن العربي. هذا هو السبب الرئيس في أن قطر والسعودية تدعمان كفاح المعارضة للإطاحة بالحكومة السورية.
ما أسرع ما تغدو سورية مصدر المفاجآت التي تصدر عنها جميع الأزمات التاريخية للسنوات المئة والعشرين الأخيرة. وتبدأ هذه بالحرب التركية الروسية سنتي 1877-8، والحرب الروسية اليابانية سنة 1904، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة. وفي العادة، يستغرق بروز قوة عظمى عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن. وقد استغرقت الولايات المتحدة 25 سنة لتظهر كدولة عظمى – من 1890 إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.
وبعد موت لينين سنة 1924، كان الاتحاد السوفييتي رجل أوروبا المريض. وفي العام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية في عهد ستالين، ظهر الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى. وبعد غورباتشيف، تراجعت روسيا كدولة عظمى، وبدا أن الحرب الباردة انتهت. وفي ما لا يتعدى عقدين من الزمن، أنهى بوتين نظام القطب الأوحد وبرز في العالم نظام ثنائي القطب جديد – وكأن الحرب الباردة لم تنته قط.
تكشف لنا النظرة المتفحصة للنظام السياسي السوري أن الرئيس بشار الأسد هو حقاً رجل إصلاح. بيد أن في سورية، كما في كل دولة أخرى، أجنحةً شتى تتشابك فيما بينها في صراع القوة، وهذه، مثلها مثل العمليات الاجتماعية الضرورية، يأخذ العمل في لجتها وقتاً. فبينما لا يستغرق الأمر سوى دقيقتين للتوقيع على قانون جديد، كما قال الأسد، فإن القيم الجديدة التي تأتي بها هذه القوانين تستغرق وقتا أطول بكثير لتثقيف الناس بتقبلها والمشاركة في تطبيقها. أما تصوير النخبة الحاكمة الغربية لهذه الأعراف كأنها تنمو على الشجر، فلا طائل تحته، بل إنه أمر غير أخلاقي.
كانت سورية آخر دولة عربية علمانية ومترابطة اجتماعيا تستند إلى عقيدة علمانية من الأعلى إلى الأسفل. وبالرغم من محيطها الجغراسي المتفجر (لبنان، تركيا، إسرائيل، الأردن، العراق)، فقد عاش المواطنون السوريون بأمان في ظل العلمانية العربية.
وتضم سورية بين جناحيها نوعا خاصاً من التعددية والتنوع الثقافي، مغروساً في التسامح الديني والحياة التعددية. ويتبدَّى هذا في وجود الكنيسة والمسجد معا، إلى جانب الحانة والتعايش ما بين النساء العلمانيات والمنقبات. والحقيقة أن عملية الإصلاح التي بدأت في سورية أكثرُ تقدما من أي عملية شبيهة في أي دولة عربية أخرى. ويشمل هذا الإصلاح التخلص من قوانين الطوارئ، وتطبيق قوانين الأحزاب، وقوانين الانتخاب، وقانونا رئيسيا للإعلام، والاتفاق على دستور جديد بما فيه شطب المادة المتعلقة بتفرد حزب البعث بالقيادة. وما هذه الإصلاحات إلا جزء من عملية سياسية حقيقية من شأنها أن تأخذ وقتا.
بيد أن عملية الإصلاح هذه قد تعرضت لتخريب تامٍّ ومتعمَّد من لدن بعض القوى، بما فيها حكومات غربية تعمل ضد الدولة السورية. في العقود الأخيرة، خاصة منذ 11 أيلول، ما فتئ الغرب ينشر فكرة تهديد الإرهابيين الإسلاميين للحياة العلمانية. غير أن السنة، الذين يشكلون الأغلبية الدينية في سورية، ويضمون قطاعات كبيرة، ليسوا أقل علمانية من أي مجتمع أوروبي آخر.
لذلك، بالرغم من حق السوريين الواضح في الدفاع عن علمانية طريقتهم في الحياة، فإن هدف الغرب هو تفكيك الدولة السورية، وتغيير هيكلية السلطة، وإنشاء كيانات بشرية- جغرافية كالاتحاد ما بين الأكراد السوريين والعراقيين، وهو ما يشكل اليوم كابوسا لتركيا. وقد تُفرغ من سكانها بعض المناطق، التي قد تستخدم، كما جرى للدروز، لإسكان المسيحيين السوريين فيها وربما لإسكان مسيحيي لبنان أيضا. أما المسيحيون الآخرون فسيغادرون المشرق كليا. وأما العلويون، فستكون لهم دولة أخرى قد ترتبط بإيران.
تقتضي الخطة تقويضَ الدولة العربية السورية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وفي أربعينات القرن العشرين، وإنشاءَ دول دينية جديدة، إن أمكن الأمر (شبيهةٍ بدولة إسرائيل اليهودية).
بهذه الطريقة، ستختفي السلطة العربية ومعها العقيدة القومية العربية التي نادى بها كل من ميشيل عفلق وأنطون سعادة (كلاهما عربي مسيحي) وجمال عبد الناصر. وقد بدأت هذه العملية سنة 1978-9 حين وقعت مصر، برئاسة السادات، معاهدة السلام مع إسرائيل، وتبع ذلك غزو لبنان عام 1982، والانتفاضة الأولى عام 1987، واحتلال العراق عام 2003. بعد ذلك حدث الأمر عينه في ليبيا بالاستيلاء على نفطها وغازها عام 2011.
لذلك يحتاج الغرب، للحفاظ على الهيمنة “الإسرأمريكية”، إلى تشكيل الدول تشكيلاً طائفيا (سنيا- شيعيا)، لا قوميا عربيا. والحقيقة أن هذه العملية قد تعززت باحتلال العراق والإطاحة بحزب البعث هناك.
ما يحدث الآن في الوطن العربي، عمليا، إنما هو “تصحيح” لاتفاقية سايكس- بيكو من العام 1916، حين قامت الدولتان الاستعماريتان الرئيسيتان، بريطانيا وفرنسا، بوضع حدود الدول العربية الحالية وبتعيين وكلائهما من العرب. وعلى هذا، تتضمن الخططُ الاستعمارية الجديدة توفيرَ فئتين أو أكثر تحاربان النظام الحاكم في سورية، وإدامةَ هذه الحرب حتى تتهاوى الدولة وتتفسخ إلى دولتين أو ثلاث تقوم على أساس طائفي. عندئذ، يتسنى للنخبة الاستعمارية أن تغرف الثروة لأن العقلية الإمبريالية، في نهاية المطاف، ما فتئت على حالها.
لما كانت القوى الغربية غير قادرة على تحقيق هذا الأمر وحدها، فإنها تحتاج إلى وكلاء مثل قطر في ليبيا، والسعودية وقطر وغيرهما في سورية. هؤلاء الوكلاء، ويُفضَّل أن يخدموا أنفسهم بأنفسهم، وأن يكونوا ملوكا عرباً، ومسلمين سنةً، وغير ديمقراطيين، سوف يستخدمون الإسلام السني للترويج للتطرف ضد الآخرين من عرب، ومسلمين وغير مسلمين (كالعرب المسيحيين، والشيعة والدروز). وهؤلاء العرب الذين لهم سبيل إلى النخبة العالمية (الاقتصادية) – كعلاقة آل سعود والقطريين بالأمريكيين والنخب الأوروبية الأخرى، على سبيل المثال – هم أو أتباعُهم النخب الحاكمة عموماً في الخليج العربي.
إنهم هم من يُشيعون الفتنة بين مختلف الطوائف، ويكبرون، ويستغلون اللعب بأوراق السنة مع تركيا المسلمة السنية غير العربية ضد سوريا. وليس مفاجئا أن يكونوا على علاقة وثيقة بالسلطات الغربية الخادمة لإسرائيل. وإلا، لكان من الصعب تفسير السبب في أن أكثر أنظمة الحكم استبدادا على وجه الأرض، أعني العربية السعودية، تقاتل سورية وتحاول أن تعطيها دروساً في الديمقراطية التي لم تكن السعودية يوماً حريصة جدا على معرفة الكثير عنها.
إن حملات الدعاية الاستشراقية السلبية التي أديرت ضد سورية في السنة المنصرمة بدعم مالي من بعض دول الخليج قد موّهت عمداً عناصر معينة في سورية، مثل علمانية سورية – وهو ما ستلاحظه المجتمعات الغربية بشكل طبيعي. لذلك أُخفيت أهمية عقيدة حزب البعث العلمانية أساسا، والتي تضمن الحريات الخاصة على الأقل. بالإضافة، على سبيل المثال، إلى حقيقة أن داوود راجحة، وزير الدفاع السوري الذي اغتيل، كان مسيحيا، وكان كذلك الدكتور نبيل زُغيب، رئيس برنامج الصواريخ السوري الذي اغتيل مؤخراً (مع أفراد أسرته).
تعود أمثلة تمويه الحقائق المتعمَّد الواردة أعلاه إلى تحالف سورية مع روسيا، التي هي المعسكر “الخاطئ”. وهذه العلاقة الحميمة بين سورية وروسيا مستمرة منذ نيِّفٍ وخمسة عقود. أضف إلى ذلك أن سورية بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي هي البطن الطري (العلمانية العلوية / الشيعية) بين روافض (شيعة) إيران وشيعة حزب الله في لبنان. وبينما تمثل إيران (وكذلك حزب الله، وسورية، وحماس سابقا) العقبة الرئيسية لهيمنة إسرائيل، تُستهدف سورية الآن، فتتلقى العقوبة لكي يتفتت أخيرا الجسد المجازي كله.
لكنْ، ما علاقة حماس في ما نقول؟ كانت حماس حركة مقاومة تدعمها طهران ودمشق وحزب الله إلى أن كسبت الانتخابات بشكل ديمقراطي عام 2006 (بعد زهاء سنتين من اغتيال ياسر عرفات)؛ وبعد ذلك بسنة، انقلبت على السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح في قطاع غزة. فإن كانت إيران “رأسا” مجازيا، وكان حزب الله وحماس الساقين، تكن سورية “البطن” أو “القلب” و”الرئتين” لـ”جسم” المقاومة هذا. لكن، منذ تولت حماس إدارة قطاع غزة، توقفت كثيراً عن أن تكون حركة مقاومة وغدت ملزمة بالدستور.
هنا كسبت إسرائيل (وشارون خاصة) نصرا تكتيكيا. فقد انسحبت إسرائيل من قطاع غزة من غير أن تدفع ثمنا، إلى حدٍّ ما، بينما أبقت عليه محاصرا، فتهاجمه كلما رغبت، معطية المفاتيح للسجناء (حماس) كي يديروا لها أكبر سجن مفتوح على وجه الأرض. كلُّ هذا نُفِّذ من غير أن تدرك حماس حقيقة ما يجري. ولعل أحد الناس فكّر أن في المستطاع تجميل الاسم، فبدلا من تسميته سجناً، أمكن تسميته بـ”إمارة القلعة”.
في النصف الأول من عام 2012، غادر قادة حماس دمشق، حيث كان مقرهم الرئيسي، وهم الآن يلتزمون الصمت أمام الجمهور، وقد تخلَّوا عن دعم الحكومة السورية – الحكومة التي دعمتهم لعقدين ونيِّفٍ من الزمن.
وبانتصار الإخوان المسلمين في تونس ومصر، وبروزهم في ليبيا، أصبح لحماس رعاة أقوياء في بلدان تستطيع فيها أن تعمل انطلاقا من وضع أقوى. وقد دعا الرئيس المصري المنتخب قيادة حماس (في الشتات وقطاع غزة كليهما) إلى الانضمام إلى الإخوان المسلمين (منظمتهم الأم) على قدم المساواة.
وما كانت تبدو حتى الأمس على أنها حركة مقاومة (بالرغم من أن بعضهم قد يزعم أنها لم تكن ثورية قط مثل الفصائل الفلسطينية اليسارية الأخرى، أعني الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو الجبهة الديمقراطية، أو غيرهما)، غدت الآن جزءاً من نسيج التحالف الإسلامي السني الذي أخذ يعمل تحت جناح حلف شمال الأطلسي.
يحب المستشرقون الغربيون أن يتخيلوا ما يجب أن يحدث لخدمة مصالحهم في المشرق. لذلك بدأوا بإطلاق اسم “الشرق الأوسط” على الوطن العربي، وكأنه محض علامة جغرافية وُضعت بالنسبة إلى موقعهم هم. ولكي يؤمِّنوا سرقتهم المخطط لها، يبتدعون مصطلحاتٍ الغايةُ منها تمويه وتبرير أعمالهم العسكرية، ما ظهر منها وما بطن. بيد أن خدماتهم الأمنية / الاستخبارية لم تفلح دائما في توقع التطورات في الوطن العربي، كانتفاضة 1978 وانقلاب حماس سنة 2007.
لكن نخبهم السلطوية السطحية الجاهلة لا تتوقف عن ابتداع أسماء وعمليات جديدة، آخرها تسمية ما بدأ في تونس بـ”الربيع العربي”.
ما يحدث في بعض الدول العربية وفي الوطن العربي ليس “ربيعا”: إنه عملية رجعية سوف ترتد، مثلما خبرت الأمر الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث اختلقت “المجاهدين” ودعمتهم ثم قاتلوها هي نفسها.
وهكذا تحاول الولايات المتحدة / إسرائيل أن تعقد العقود مع الإسلاميين الذين أخذوا السلطة لعلهم يسيطرون على جماهير العامة. والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الإستراتيجيون السياسيون استخدام الدين ليتجنبوا الفوضى ويحموا مصالحهم الاقتصادية.
وهذا شبيه بما وصفه مِكْيافلِّي (استنادا إلى ما قاله المؤرخ الروماني تيتُس ليفيُس (ليفي) باتافينُس (95 ق.م.-17م)، الذي كتب كتبا منذ “تأسيس المدينة”) وأُشير إليه قي “مقالات حول ليفي”، حين أعطى أحد الفصول عنوانا ثانويا: “كيف جعل الرومان الدين يخدم إعادة تنظيم المدينة وقاموا بمشروعهم لإيقاف الاضطرابات”.
وهكذا تسعى حملات الدعاية الغربية ضد سورية إلى إقناع العامة (“الدهماء”) بأن تخاف الدين بدل أن تطيع قادتها العرب الحاليين. لهذا، بالرغم من الاحتجاجات المُراقَبة في الملكيات العربية الثلاث (السعودية والمغرب والأردن)، يكاد العالم لا يرى أي احتجاج ملموس، مقارنةً بالاحتجاجات في الجمهوريات العربية الأخرى، بسبب المراقبة، والحراسة، وغياب انتباه الإعلام الغربي. وأحد أسباب ذلك أنه يكاد لا يكون هناك إنسان واحد يتولَّى الترويج لأي حملة إعلامية خاصة ممولة جيدا وأن يدفع المبالغ الضخمة المطلوبة (ربما باستثناء البحرين، ونفوذ إيران المحتمل). بيد أنه ما من ضمانة لنجاح حملة مضادة للهيمنة في الملكيات العربية.
بعد الانتصار على آل الرشيد عام 1921، حكم آل سعود معظم شبه الجزيرة العربية التاريخية. ويعود تميزهم أيضاً إلى سيطرتهم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وإلى تحالفهم مع الوهابية واستخدامهم لها، وإلى الموارد النفطية والمعدنية. وهذه الموارد تموّل صنعتها الثقافية (إعلامها). مع هذا، من الواضح أن العوامل الدينية والاقتصادية معقدة، ومتشابكة، وتنطوي على شبكة اجتماعية كبيرة. ويمكن التعبير عن هذا التآلف بما أسميه “الأخلاق السعودية والقوة الروحية” – وهو شيء شبيه بمقولة وِيبر “أطروحة الأخلاق البروتستانتية” التي كانت وراء تراكم الثروة في شمال أوروبا.
من جراء تراكم الثروة في دول الخليج في سبعينات القرن العشرين (تلك التي سيطرت عليها الحماية البريطانية – الأمريكية بموجب معاهدات جلبت أعدادا كبيرة من العرب ليصبحوا إما تابعين اقتصاديا – من خلال عملهم في الخليج – أو تابعين نفسيا من خلال الهيمنة على الإعلام العربي)، خلق الازدهار الاقتصادي النفطي بنية اجتماعية جديدة في الوطن العربي؛ فأصبح، نتيجة لذلك، بعض المجتمعات العربية معتمدا على الأسرة الحاكمة السعودية وعشائرها ومتقبلا لها. وهذه النخب جزء من النخب الاقتصادية ممن يملكون بعضاً من أكثر مشاريع الطاقة قيمة، ومن الأصول والعقارات القيّمة في الغرب، مثل هارُدز، وفرق كرة القدم، والعقارات على شارع الشانزلزيه، والشراكات مع روبرت ميردُخ، وغير ذلك كثير.
إن الاكتشاف الجديد أن العرب يريدون حريتهم يُروِّج له بعض مؤسسات الإعلام العربية والغربية، التي هي امتداد لصناع السياسة الذين لهم غاياتهم الاقتصادية واستراتيجياتهم ومخططاتهم. وما هدف الحملات الإعلامية التي يديرها الصهاينة الرأسماليون من المحافظين الجدد مثل برنار-هنري ليفي، الذي يخدم إسرائيل بقوة وله ارتباط متين باليهودية الأصولية، إلا إقصاء العرب عن ثروتهم ومواردهم، بينما تخدعهم، في الوقت عينه.
يُنفَّذ هذا الأمرُ من خلال إستراتيجية ثنائية لصنع رواية منفصلة لقطاعين منفصلين من الناس. فبالنسبة إلى المتدينين، يُناط الفساد بالكفر، بينما تُباع للأمة العربية كلها أحلام التحرر، والعدل، والحرية الجذابة. وطبيعي أن ينطلق تأويل كل فرد من نشأته الخاصة، واجتماعيته، وتسيّسه، وأعرافه، وقيمه.
لهذا، بينما قد يجتمع الجميع في “المربع” ذاته، سنجد الإسلاميين يؤمنون بأن الإسلام هو الحل، والليبراليين يتذكرون جان جاك روسو، و”فصل السلطات” التي نادى بها مونتسكيو والثورة الفرنسية، والماركسيين يفكرون بالثورة البلشفية لسنة 1917 وصراع الطبقات، والماويين بثورة ماو تسي تنغ الثقافية أو بالناصرية (ففي نهاية المطاف، حين قامت ثلة من ضباط الجيش المصري بانقلاب وثورة عام 1952، كان ماو تسي تنغ أعلن أن “الكفاح ضد الفساد إنما هو قضية رئيسية تتعلق بالحزب كله” (30 تشرين الثاني 1951) وأنها، لذلك، تناسب قضية محاربة الأنظمة العربية الفاسدة).
في هذه الأثناء، سوف يهرول من يحلمون بكاسترو وتشي غيفارا إلى “المتاريس” في الساحات في وقفات احتجاج ضد قوى الدولة الأمنية.
حقيقة الأمر أنْ ليست هذه القيم محفزات للوطن العربي، واللبراليون الصهيونيون يعرفون ذلك. فالحقيقة أنه، بسبب الهيمنة الاجتماعية والطريقة التي تكونت بها المجتمعات العربية في القرن الماضي (بما في ذلك الإرث الاستعماري)، وبسبب الثروة التي تمتع بها الإسلام الوهابي (والسلفية الحديثة) من عائدات النفط، سوف تنجز الإيديولوجيات الأخرى، باستثناء الجناح الإسلامي، أقل تقدم إلى الأمام، وسوف تحظى الحركات الدينية بالفوز، ببساطة.
صحيح أن الوطن العربي غير متجانس، ولو قليلا، لكن الدين سائد حتى في دول مثل الأردن، حيث هيمن الإسلاميون لعقود على المناهج المدرسية. وهكذا، فإن في كل دولة عربية أصابها الاضطراب، خاصة في مصر، كفاحاً قويا على الدستور. فقد فاز الإخوان المسلمون والسلفيون بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية، وكان أول رئيس منتخب ديمقراطيا، محمد مرسي (الذي انتخبه ربع المواطنين فقط)، عضوا في جماعة الإخوان المسلمين.
وتعمل القوى الرئيسية على إعلان دستور يستند إلى تأويل لقوانين الشريعة ذي علاقة بها. يرى أرسطو في منشوره، “هيكل الدولة”، أن ثمة حاجةً “للنظر ليس فقط في أي الدساتير أفضل، بل أيضاً في أيها عملي وأسهل بلوغا” (ص. 103). وهذا، في نظر الأصوليين المتدينين، متمثل في قوانين الشريعة، بينما هو الحل أيضاً للنخب الحاكمة الغربية.
ما داموا أمنوا مصالحهم الاقتصادية من خلال مؤسسات إعلامية تسيطر عليها النخبة الدينية، فسوف يستفيدون بدورهم من مراكز قوتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسوف تظهر ثلة جديدة من رجال الأعمال من داخل دوائر/ طبقات النخب الدينية. والمجموعات الدينية سوف تزيد مشاركتها الاقتصادية إلى جانب المشاركة السياسية.
ولما كانت ستفيد جهادها السياسي، فسوف يراها بعضهم حلالا، أكانت ضمن الهيكل المصرفي الإسلامي أم خارجه. بيد أن الانقسام الاجتماعي سوف يبقى أو يتوسع، والفرق الوحيد أن الأسماء تغيرت. فبدلا من “مبارك”، سيكون هناك شخص آخر (لكنه ملتحٍ هذه المرة)، وهذه “التغيرات” الظاهرة سوف تديم الهيمنة السياسية بكل بساطة.
أما السكان المتأثرون بذلك، فهم الذين يسمَّون “أقلية” – وهم بشكل رئيسي المسيحيون العرب (هناك زهاء 30 مليوناً منهم في الوطن العربي)، والمسلمون العلمانيون (من سنة وشيعة)، وغيرهم. وفي مصر أعلن محمد الظواهري (أخو زعيم القاعدة أيمن الظواهري) أن على المسيحيين المصريين أن يدفعوا الجزية باعتبارهم أهل الذمة، أو أن يخرجوا من مصر. فإن رفضوا، وجب إجبارهم على ذلك، حسب رأيه.
من أمثلة تعبئة السكان بموجب الدين في الإعلام ما تبناه ملك السعودية نفسه. ففي رمضان عام 2012، أطلق الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده حملة جمع تبرعات يُفترض أن تكون للشعب السوري – أو هكذا قيل. وقد استندت الحملة إلى الأعراف الأخلاقية الإسلامية والشعور بالتضامن مع الجماعة، خاصة ما يُشدَّد عليه في شهر رمضان المبارك. وإذ باع شعبه رسائل التعاطف الاجتماعي هذه، كانت هذه الحملات تُستخدم لأغراض سياسية محلية وإقليمية. وهناك حملة شبيهة لا يتخيلها المرء أطلقتها سورية لتحرير المرأة السعودية وحاجتها لسياقة السيارات.
أما التحرريون من ذوي الياقات البيضاء الشبيهون بغوبلز، والذين يصطفون إلى جانب أمراء المشيخات، فقد حاولوا حتى الآن أن يخدعوا جانبا من الرأي العام العربي وأن يفبركوا إجماعا مضاداً للحكومة السورية، مُحرفين بذلك حماس شعبهم. وإذ يلتزمون هم أنفسهم بالأعراف والمعتقدات البالية حول الحرية والديمقراطية، ما فتئوا يُخادعون الناس ضد سورية فيما يتعلق بأعرافها الاجتماعية، كحرية المرأة، وحقوق الأقليات الدينية، والفرص المتساوية والحريات الشخصية، إلخ، التي هي أقرب كثيراً إلى الدول الغربية المتحررة.
وعلى السبيل نفسه الذي تسلكه الأنظمة العربية حين تحشد الرأي العام المحلي للتضامن مع الفلسطينيين، تستخدم الأنظمة الخليجية المقولة الكاذبة أنها ضد الظلم الذي تمارسه الحكومة السورية على شعبها كي تحشد عامة الناس عندها ضد سورية. وهذا بالرغم من حقيقة أنهم هم أنفسهم متخلفون عن سورية في مجال الحرية والديمقراطية بسنوات ضوئية.
ما كانت الحكومات الغربية قطُّ صديقةً للديمقراطية المتحررة في العالم الثالث. إنهم حتماً يتعاملون مع الحكومات صاحبة السجلات الأسوأ في مجال حقوق الإنسان، حين يكون الأمر ذا فائدة مالية لهم. فكما حدث في تموز 2008، حين أقام نيقولا ساركوزي وعدو سورية اللدود، أمير قطر، مع القيادة السورية “اتحاد المتوسط”، ظن بعض قادة الحكومات الأوروبية أنهم أيضاً قد يستفيدون ماليا من أزمة الوطن العربي. ويحدث هذا بشكل خاص حين يتلقون دعما من الدول الخليجية الغنية ويعتقدون أنهم قد يخففون قليلا من الأزمات الاقتصادية التي يواجهون.
في بعض أجزاء سورية، تراجع الأمن الشخصي منذ آذار 2011 ولم تكن الحكومة المركزية معروفة دائماً بتصرفها الأخلاقي. غير أن الإعلام، كجزء من الحملة السياسية الإستراتيجية، يتعمد الكذب حول الوضع في سورية. إنه يزرع الخوف في نفوس عامة السوريين ويثير قلقاً مبالغاً فيه حول المصابين والقتلى. وهكذا يصطنع رواية تيسر وتبرر زيادة الدعم للمجموعات المسلحة، والانفصاليين، والإرهابيين، والمرتزقة. وهذا الإعلام نفسه أيضاً يصور الحكومة السورية بأنها المسؤولة الوحيدة عن العنف، بينما الحقيقة أن المسؤولين الحقيقيين هم أولئك الذين يجندون الأفراد الطيعين، العاطلين، المتعطشين للمال، ويدفعون لهم ويمدونهم بالسلاح.
هناك مجرمان اثنان مسؤولان عن زيادة الضحايا: الكذب وتكميم الصوت المعارض. فبالاشتراك مع حلفائه العرب، أطفأ حلف شمال الأطلسي إشارة الاتصال الفضائي لقناة الدنيا السورية. وهناك أعمال “إرهاب” فضائية أخرى شملت اختطاف وكالة الاستخبارات المركزية لحساب قناة “الدنيا” على “تويتر”، بغية نشر الأخبار الملفقة عن ارتداد كاذب للجيش العربي السوري. إن القمر الصناعي العربي نفسه الذي ساعدت سورية في تأسيسه بعد فقدان الجزء الثاني من فلسطين عام 1967 يُستخدم الآن ضدها من قبل هذه المشيخات الخليجية العربية السابقة.
يُستخدم هذا القمر الصناعي الآن في النزاع في سورية – ولكن ضدها – فيبثّ معلومات ملفقة تُطلقها قنوات يملكها خليجيون تنشر الخوف والرعب حول عدم الاستقرار الاقتصادي في سوريا. ويُتلاعب بهذا الإعلام ليُستخدم غطاء لاستثارة الأعمال الإرهابية من قبل المعارضة السورية ولاستدرار المساعدة الاقتصادية، وهذا الإعلام ذاته يُقدم الإنجازات “البطولية” التي يُحققها “المتمردون” وعند الضرورة يصور خسائرهم على أنها “مجازر”.
على العموم، لم يتبق للغرب والإعلام العربي الرئيسي إلا خيار واحد تقريبا: ابتلاع المعطيات المزيفة من لدن مؤسسات فبركةٍ لا يُعتمد عليها، لتُضَخَّ بعد ذلك على الناس. فقصص المجازر التي تقوم بها الحكومة السورية تُذاع، لغايات الدعاية، كي تبرر التدخل الأجنبي، والصورة السائدة هي صورة الغرب النبيل الذي يأتي لينقذ هذا الشعب الضعيف المقموع في العالم الثالث من استبداد طاغية متعصب.
وهذا ما حدث في ليبيا تماما. مع هذا، فإن قلة من الإعلام العربي تعارض هذه الخطة الرئيسية، وقلة أخرى تقف على الحياد. إن الإعلام العربي في معظمه، أكان بشكل مباشر أو غير مباشر، في دول الخليج، بينما الصحفيون الآخرون إما يقبضون سراً من تلك القوى أو أنهم مضللون كليا ويجدون من المستحيل فهم التبعات المأساوية لما يحدث في الوطن العربي.
إن القيم المضادة للحرب، كما عبر عنها بيرتولت بْرِخْت في مسرحيته “الأم شَجاعة وأطفالها”، ليست في الأغلب الأعم على أجندة بعض الدول الغنية بالنفط، لأن هذه القيم قد تفضح الانقسام بين الدين واقتصاد الحرب.

Wednesday, 29 January 2014

نفوسنا وكرم الحب... مجلة "الحصاد" - لندن - بيروت...عدد يناير ٢٠١٤

د. مكرم خوري - مخول -
نفوسنا... وكرم الحب

د. مكرم خوري - مخول

نفوسنا وكرم الحب... مجلة "الحصاد" - لندن - بيروت...عدد يناير ٢٠١٤

يضغط اصبعنا زر المذياع ان كان جديدا او تداعب اصابعنا فيشته ان كنا من هواة  اجهزة المذياع القديمة، فتندفع الطاقة منه لنلتحق ببث  برنامج صباحي عبر الاثير يتخلله قرآة شعر من مذيع يجيد دور الرجل العاشق ومذيعة تقوم بدور الحبيبة التي تبادلة المشاعر ذاتها. هي تمثيلية تؤطر الواقع لتقلل من عفويته وتمنحه صخبا مهنيا عبر الرموز الكلامية يزيد من سلطة مملكة الحب .و

 في الخلفية تتمواج ما بين صدر البيت وعجزه صعودا  وخفوت الموسيقى الهادئة (اذا كان الانتاج سلساً)  فتنبعث عبر الاثير ذبذبات الصوت التي تضخ جدلية كلمات غالبا ما تُستوعب في الذهن وتٌفسر بسرعة البرق كمعان لطيفة تعبر عن الاحاسيس الرقيقة خالقة حالة من الدفء  في الجو  تشحن المعنوات الى الاعالي وغالبا لا علاقة لها بدرجة الحراة داخل المنزل او المكتب او تحت قبة السماء او حالة الطقس وتبدل فصول الطبيعة.و

هذا المنتوج الاعلامي الذي يتركز على بث الامل او ما يسمى حديثا او احيانا بـ "الطاقة الايجابية" قد  يؤدي الى تماهي بعض المستمعين مع معاني الشعر والقيم المنسوجة فيه، بينما يُعجب الاخرون بالتركيبة اللغوية والمفردات السلسة، او لا يعني هذا الشعر للبعض أي شيئ على الاطلاق . يستغرب بعضنا متسائلا: كيف يمكن الا يعني شعر الغزل اي شيئ لبعض الناس؟ هذ السؤال بالتحديد يَفترض ان يشعر كل الناس الشعور ذاته كل الاحيان وفي كل الحالات. وهذا شيئ مناقض اولا لحق الشخص في ان يشعر حيثما شاء وكيفما شاء ومتى شاء ولكن ايضاً ان يشعر كما فرضت عليه ظروف معينة نتيجة حالة تفاوضه معها أدت الى نتيجة خاصة لا تتبدل الا مع تغيير الشعور الداخلي المتعلق  بظرف اجتماعي يجب ان يتغيير هو اولا.  فلا يحق لنا ان نحكم على من يشعر وكيف يشعر عند استهلاكه او التقائه بنص شعري (عبر الاعلام)  يتمحور في الحب. لان لهذه الحالة تشخيصا نفسيا يتعلق فيما يتعلق بحالات قد تكون لها علاقة بـ "الخسارة" - أي خسارة علاقات حب او "الحرمان"  من الحب او عدم خوض التجربة خوفاً من الفشل (او العواقب التي  يريد ان يدخل فيها شخص معين حفاظا على "استقراره' ولكي لا يتعرض جهازه العصبي لارتباكات اضافية...) او نتيجة حالة من الصدمة النفسية جراء نتيجة سلبية تركت اثرها وتلت علاقة حب (او صدمة اجتماعية لها علاقة بالعائلة او صداقة تركت اثرا) لحقتها عملية اسدال لستار بهدف الدفاع عن النفس ادى الى ان 'ينأي" الانسان عن الولوج في تلك الحالة مرة اخرى. فتعتبر خسارة "علاقة الحب" في علم النفس  (وهذا يتعلق بكيفية انتهائها) بحالة من الحداد تستغرق وقتاً حتى التماثل الى الشفاء من تلك الحالة. كما ان مدة الحداد تتعلق بقوة الصدمة وبطرق العلاج النفسي-الاجتماعي والدعم الاجتماعي الذي يتلقاه الشخص بما في ذلك اساليب توعية التي تزيد من معرفة الانسان عن تلك الحالات وتعمق مفهوم عملية الصراع الداخلي والتغلب على الخوف وطرح سبل الحلول وايجاد فرص جديدة قد تعوضه عن الماضي.و 

  الكثير منا يفرق ما بين الحب والمحبة والغرام. وصحيح ان الحالات تختلف لاختلاف نوعية العلاقات الاجتماعية وكون بعضها اجتماعا عاما واخرى علاقات خاصة (اسرية كانت ام زوجية). الا ان مصدر هذا الشعور واحد رغم ان نسبته ونوعيته وممارسته تتفاوت. هي تلك القيم الاخلاقية التي تسعى الي نيل السعادة نتيجة حب الخير للغير وممارسته وتطبيق العطاء ومد يد الرحمة والحنان التضامني للغير والرغبة في المشاركة بالافراح والاتراح ليس لنيل هدف مادي بل من منطلق التعاضد، وبنسبة الشعور بالثقة بالنفس التي تستند على امكانية العيش بحالة من المتعة والتمتع باستمرار من علاقات حب (افلاطوني او غير اافلاطوني) تولد حالة من الاستقرار الننفسي والاجتماعي.و

يتزايد عدد الاقوال والآراء والمواقف من وعن الحب باشكاله والمحبة (للفرد او الجماعات) مع نمو ونضوج عقل كل فرد في المجتمع الانساني وتراكم تجاربه.و
فنحن نولد مع مخزون من الجينات ذات الصفات الوراثية. وتلك المولودة ترطتم بالواقع الذي يتفاعل فيه 'الأنا' مع  كل شخص منا على حدى او كجماعة. كما ان هذه الصفات الوراثية تتضمن تركيبة كيماوية معينة إما ان تبقى مستقرة او ان تتأثر بعوامل اجتماعية يكون لها وقع نفسي ينعكس من خلال تصرفات اجتماعية جديدة بما في ذلك تبني مواقف تجاه الحب تكون مصحوبة بسلوكيات عدائية كلامية - خطابية او حتى تصرفات (نتيجة حالة اجتماعية او اقتصادية تقترب من كوننا في ازمة) تقترب من الانفعال والاضطراب او العنف الجسدي. فالغضب زوبعة تهب نتيجة لتغيرات في المركبات الكيماوية في الجسد والتي يطلقها المخ لكي يدافع عن نفسه... ولذلك فهي تطفئ سراج العقل للحظات او ايام او اسابيع او سنين او تتحول الى عادة\سلوك لا يتغير الا بتغيير الحالة الاجتماعية (مثلا من حالة عيش فراغ عاطفي الى حالة حب). فيأتينا الطب لكي يقترح سبل علاج عبر جلسات علاجية كلامية تنفيسية-نقدية بينما تأتينا فلسفات الشرق الاقصى لتسعفنا بتوصيات (اليوغا والتأمل) حول ترويض نفوسنا ابتداءً من الجلوس بلا ازعاج، فنيل الهدؤ والتأمل ومحاورة الذات المتصارعة حول قيّم معينة والقدوم بامكانيات لايجاد طريقة افضل لتفادي الصراع والامتثال لحلول جديدة خلاقة فيها الهدؤ الدي يبعث الخير والطمأنينة.و 

الحب قيمة تتواجد في عقولنا وخلجات نفوسنا عن قناعة سبقتها تربية وترويض ادت الى تركيبة ذهنية-نفسية تتجلى بتصرفات يومية. وهذه القيمة يمكن ان تزداد او تتراجع وفقاَ للظروف والتجارب. فالقدرة على المحبة هي "معتقد" ان وجد فهو مبدأ من مجموعة نظم قيمية يكون قد تبلور وتمركز في النخاع الشوكي. احيانا يتركز البعض بتحولات نفسية تصف تحول حالة من الحب الى حالة من الكراهية تجاه شخص معين . لا يتزايد منسوب الكراهية على حساب منسوب الحب. ما يحصل هو ان منسوب الحب لشخص معين يتراجع او يتلاشي ويرتفع بالمقابل منسوب الكراهية نتيجة للشعور بالاحباط وخيبة الامل او الخسارة والحرمان. قد تتراجع قدره الانسان على الحب بعد تجربة قاسية الا ان هذا التراجع لا يعني بالضرورة فقدان قيمة الحب في ذهنيته بشكل قيمي. الحب يتعلق بالاستقرار الاجتماعي والمالي والعاطفي. والنزاعات غالبا ما تتماهى مع مسبباتها والصراع على هدف (تحقيق فكرة او شيئ  او نيل شخص او كسب حبه او انتباهه). فاذا كان الهدف ماديا وراءه الجشع والطمع وليس التشاركية والطمأنينة فعندها لا فارق بين النزاع بين شخصين او خلاف عائلي او مع الجيران او الاصدقاء او بين الطوائف واتباع المذاهب او الشعوب والدول. فالجشع هو عدو الحب والمحبة وهو المؤدي الى الانحراف الفكري والسلوك الاجتماعي العدائي والعنيف احياناً والطمع واستغلال الاخرين هو ما يشعل النزاعات داخل المجتمعات والدول، تلك النزاعات التي اصبحت الاكثر شراسة والاعلى عددا الى ان ضاهت النزاعات بين الدول والتي هبطت مؤخراً. اذن مسألة الحب تتمركز في ما اذا كنا نؤمن اجتماعيا بالخير والمساواة للجميع... وبالتفاهم والاحترام للحبيب او الزوج ومنحه نفسنا في السراء والضراء فنفعل لغيرنا ما نريد لذاتنا في بقة تتسع للجميع لان الحب كرم اخلاقي يتجلى في المشاركة في الموارد. د

Friday, 8 November 2013

- الدكتور مكرم خوري - مخول: "المعرتزقة" في سورية تنفذ محرقة القرن الـ 21 بدعم سعودي وتغطية غربية

 - الدكتور مكرم خوري - مخول: "المعرتزقة" في سورية تنفذ محرقة القرن الـ 21 بدعم سعودي وتغطية غربية



http://yomnet.net/Show.php?page=News&id=24737


                                   الدكتور مكرم خوري - مخول: "المعرتزقة" في سورية تنفذ محرقة القرن الـ 21 بدعم سعودي وتغطية غربية
PM 19:13 08/11/2013

 
 
اتهم الاكاديمي الفلسطيني-البريطاني  البارز ابن يافا الدكتور مكرم خوري - مخول يوم امس في كلمة تاريخية جريئة  له في مجلس اللوردات البريطاني حكومات كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا بالمشاركة في محرقة القرن الـ 21 الذي يتم تنفيذها ضد الشعب السوري وسيادة الدولة السورية والحضارة السورية  العريقة وذلك بتمويل سعودي-قطري مدعوم من قبل الناتو وحليفتيه الرئيسييتين تركيا واسرائيل وبتغطية سياسية كاملة من اجهزة مخابرات حكومات غربية وبالايادي الآثمة لما اطلق علية 'المعرتزقة" (دمج معارضة ومرتزقة).و
وفي جلسة خاصة اقامها وزير التطوير الدولي البريطاني السابق البارون - اللورد فرانك جودد الذي يرأس لجنة حقوق الانسان في مجلس اللوردات وبرئاسة مؤسسة 'يونايتينغ فور بييس' - (المتحدون من اجل السلام) فيجاي ميهتا قال الدكتور مكرم خوري-مخول في سياق كلمته ان ما يجري في الجمهورية العربية السورية ما هو الا محاولة من قبل الشريحة المالية العالمية (الغربية والعربية) لضمان سيطرتها على الموارد الطبيعية في مستطيل الشرق الاوسط وشمال افريقيا بالحدود المحصورة ما بين موريتانيا في غرب افريقيا الى الصومال في شرق افريقيا والسودان من الجنوب الى سوريا في الشمال لكي تحكم هذه الشريحة المؤلفة من الطبقة الحاكمة في السعودية وقطر واخرين والطبقة المالية في الغرب المكونة من الرساميل التي تتركز نشاطاتها في الموارد الطبيعية وصناعة الاسلحة على هذه الرقع الجغرافية. وعلل الدكتور خوري - مخول ان هذه هي الطبقة التي تمول وتستغل المعرتزقة التكفيرية - الارهابية لحرق سوريا منفذة بذلك برامج الجشع والطمع اللا اخلاقي.
كما اضاف الدكتور مكرم الى ان هذا الغرب الذي يدعي انه 'مسيحي' هو ذاته الذي يساهم في قتل مسيحيي المشرق والعالم العربي (بمرتزقة تكفيرية فاشية) لكي يتم تهجير المسيحيين من وطنهم العربي ولكي تخلو الساحة لاسرائيل لكي تستفرد بـ'المجتعات المسلمة' وتحول الموضوع الى صراع ومقارنة ما بين المسلمين واليهود وليتم تصوير المسلمين بـ"المتخلفين الارهابيين" ليحلو لاسرائيل وحلفائها الغربيين نعت المسلمين باسواء الاوصاف مبررين شن الحروب على الدول العربية والاسلامية وكل ذلك لنب ثرواتها الطبيعية. 
هذا وناشد الدكتور خوري - مخول محبي السلام في العالم اجمع الوقوف الى جانب الدولة السورية والشعب السوري مشددا ان الخلاف السوري-السوري الداخلي هو امر مشروع الا ان اية 'معارضة تعمل على هدم سوريا لا تعد معارضة وطنية بل ادوات بايدي اباطرة البترول وشركائهم.
 
 

Saturday, 26 October 2013

الاكاديمي الدكتور مكرم خوري - مخول يطلق مصطلح\عبارة 'المعرتزقة'

المعرتزقة


الاكاديمي الدكتور مكرم خوري - مخول يطلق مصطلح\عبارة 'المعرتزقة' عبر قناة 'روسيا اليوم'...في برنامج حصاد الاسبوع عن سوريا:

والقصد في عبارة المعرتزقة هو تلك المجموعات التي تسمي نفسها بالمعارضة الا انها (ليست معارضة سلمية ولا سياسية ولا ديمقراطية)...بل تتبنى الارهاب الممول من جهات اقليمية ودولية لهدم الجمهورية العربية السورية...

للمشاهدة:

برنامج 'حصاد الاسبوع' على قناة روسيا اليوم...واستضافة د. مكرم خوري-مخول حول سوريا...وطرحه لظاهرة ما اطلق عليه ... 'المعرتزقة'..

http://arabic.rt.com/prg/telecast/658818-%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9_%2819_-_25_%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1_%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%29/

 http://lnkd.in/b68a6AE

Saturday, 19 January 2013

مالي ومال الشام وسلاح الجو - د. مكرم خوري – مخول

http://alkompis.se/interesting/did-you-know/4674/


مالي ومال الشام وسلاح الجو

مالي ومال الشام وسلاح الجو
19 January 2013
الكومبس - د. مكرم خوري – مخول: كانوا من شبه الجزيرة العربية ام من خارجها، كانوا من العالم العربي ام الاسلامي غير العربي، ام من الاوروبي المسيحي ام العلماني، ليس لاحد الحق ان يفرض على الوهابيين (السلفيين) كيفية التفكير او التصرف في اي حالة يختارونها (او يزج بهم اخرون؟) بها. كان ذلك في افغانستان، او السودان او مصر او سوريا. وبالتالي، فلا يحق للجهاديين السلفيين الذين يرفعون السلاح في اي مكان ان يضعوا شروطهم على من يحاربون او ان يشتكوا على من يقومون بغية تصفيته وكيف يتصرف وآية ادوات يستعمل. في حالة استهداف دولة او جيشها لكلا الطرفين 'حرية' التصرف كما يفهم ويشاء ويعرف ويخطط ويمول ويرهب ويحارب.اما كيف ولماذا تسمى وتوصف وترسم ويروج في الاعلام المختلف لكل عملية من هذه العمليات من الناحية الاخلاقية فهذه قضية اخرى ممكن البت بها في مقال آخر.
***
الا انه وطالما ابتعدت مجريات العلاقات عن مسار الحوار وعن 'جادلهم بالتي هي احسن' وبطرق الاقناع السلمي، واخذت منحىً عنيفاَ فتكون قد دخلت في معادلة صراع قوة العنف الجسدي المدجج بالسلاح والتي ترافقه قوة اعلامية واخرى اقتصادية لتحقيق مكاسب على الحلبة السياسية. فمنذ بداية الازمة في سوريا في آذار ٢٠١١ اخذت الحكومة السورية تصرح ان هناك مقاتلين من خارج سوريا وانهم "ارهابيين وهابيين وجهاديين بعضهم ينتمون الى القاعدة" وان هؤلاء يخططون لجلب الويلات لسوريا الدولة والحكم والمجتمع لكي تقع في ايادي الوهابيين حتى استرق ما يسمى بـ "جبهة النصرة" البعض من ظلال اضواء الدم في سوريا.
***
فقط بعد مرور ١٨ شهرا خرجت اعمال هذه المجموعات الى العلن وسبقها تصريح وزير الخارجية السعودي (المعلن على الاقل) في شباط ٢٠١٢ عن طلبه تسليح هذه الجهات او اخرى العاملة ضد الدولة السورية. ولكن لا تبدو مخططات الحركات الوهابية - السلفية تجاه الهلال الخصيب وسوريا بالتحديد جديدة العهد على الاطلاق. فمصادر الحياة كالمياه وخصوبة الارض وتضاريسها وما تحتويه من احتياطي نفط وغاز غير موجودة في كل الاقطار العربية (فالموارد الطبيعية اكتشفت في السعودية على سبيل المثال في عام ١٩٣٨ فقط اشهر قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية). ولذلك فقبل انهيارها التام في ١٩٢٤ تم تقسيم الامبراطورية العثمانية (بشكل وهمي) الى شطرين غير متساويين: احدهما مكتظ بالسكان 'ولكن مساحته تقل عن الشطر الآخر، على ما فيه من صحاري واسعة، لا تضم الا القليل من السكان...'. (دو گورانسي، ص.١٩٤). فقد كانت الولايات الجنوبية من السلطنة العثمانية هي مركز الحكم (فقد سميت فلسطين على سبيل المثال من قبل البعض بـ 'سورية الجنوبية'). فمصر بلد خصب يسير مع نهر النيل كما يحيط ويروي دجلة والفرات بالعراق وسوريا، ولبنان وفلسطين ارض خصبة لتدفق المياه من جبالها لسهولها. ولذلك 'فاذا تم احتلال هذه الولايات من قبل الوهابيين، ادى انتشار الوهابية الى كل مكان'. ( (دو گورانسي، ص. ١٩٤).
***
ففي هذا الصراع تتشابك العقيدة الدينية والتفسير الخاص لبلورة هوية العالم العربي في رقعة جغرافية يلعب فيها المناخ والاقتصاد ادوارا مكملة. على ان هذا الصراع هو صراع تتقاطع فيه مصالح عربية-عربية وعربية غربية تنعكس متغيراته بحيث يصبح عدو الامس صديق اليوم وفقا للمصالح المشتركة. ففي مطلع القرن التاسع عشر، وبعد ان لاحظت ان بعض التحركات الوهابية على الارض قد تهدد حكمها، ارسلت الامبراطورية العثمانية (الاسلامية وبرأسها الخليفة - السلطان) حاكم مصر وحليفها آنذاك المسلم الالباني محمد على باشا لتصفية الرؤوس الوهابية التي كانت قد اينعت وذلك عام ١٨١٩ والتي كانت قد اقتربت من سوريا والعراق. كانت تلك احداث 'الخرمة' و 'تربة' في عام 1924 التي اخذت آنذاك تبلور صيت الوهابيين عالميا وذلك بعد قرن تقريباً من دحرهم على يد محمد علي.
***
فوفقاً لابحاث اكاديمية تمحورت في تاريخ الوهابيين (والجهادية السلفية) ، لم يلفت هؤلاء حتى ما بعد الحرب العالمية الاولى انظار العامة سوى عيون وآذان الامبراطورية البريطانية أو شقيقتها الفرنسية من مستعربين وباحثين وجواسيس ودبلوماسيين ورحالة - واحيانا جزء او كل هذه التقاطعات مع بعضها البعض. وكانت مذبحة الطائف في أيلول 1924 وما واكبها من تصفيات المليشيات الوهابية للشيوخ والنساء والاطفال فضيحة وعار حتى بالمعايير السعودية وقتها. الا ان انشغال الوهابيين في معارك مستمرة في الجزيرة العربية لم يمنعهم من التخطيط لتوسيع نفوذهم شمالا نحو منطقة 'الهلال الخصيب' او 'سوريا الكبرى'، وفقاً لانطون سعادة. فبعد ان اجتازت مليشيات الوهابيون شمال الجزيرة العربية، ووضعوا 'وادي سرحان' في الجزيرة العربية، الدرب المؤدي الى شرق الاردن في فك الكماشة التي في قبضتهم، اخذوا يعدون شباكهم للتقدم نحو البحر المقدس: سوريا وفلسطين. وبما انهم اخذوا 'يعاينون سوريا وفلسطين عن مسافة جغرافية لا نفسية، كان يتربص لهم في فلسطين هيربيرت صاميوئيل (١٨٧٠-١٩٦٣)، المندوب السام الاول (اليهودي المتصهيين) للامبراطورية البريطانية، واعوانه الذين راقبوا حتى ولو من بعيد تحركات الوهابيين حيث كتب محذراً في برقية الى الحكومة البريطانية عام ١٩٢٠ من اتساع نطاق النشاط الوهابي الذي اخذ بالتغلغل (حسب معلوماته) في 'شرق الاردن' والذي حسب رأىه قد يشكل مأزقاً كبيراً ويهدد فلسطين
.ومن جهة أخرى كان الكاتب والشخصية البريطانية المخابراتيه المقربة من آل سعود وغيرهم من الاسر الحاكمة في العالم العربي آنذاك جون فيلبي (١٨٨٥-١٩٦٠) قد بعث ببرقية للحكومة البريطانية عام ١٩٢٢ محذراً من احتلال مليشيات ابن سعود السلفية لمنطقة الجوف (حاليا عاصمة ) شمال نجد وجنوب الاردن. وبالفعل فقد قام عندها الوهابيون بالتقدم نحو شرق الاردن. فبعد انقطاع حكم آل رشيد وغزو حائل ( شمال وسط الجزيرة العربية) عام ١٩٢١ على يد عبد العزيز آل سعود قامت مليشيات وهابية مقاتله وصل تعدادها الى ١٥٠٠ نفر منطلقة من وسط نجد الى قلب شرق الاردن (انظر ارمسترونغ وحبيب) حيث 'انزلوا الدمار بالمدن القريبة من عمان وقتلوا بلا هوادة الاطفال والذكور والكبار'من قبيلة بني صخر والتي يحفل أدبها الشعبي وذاكرتها الجماعية الى اليوم بجروح وندوبات مذابح السلفيين. كان ذلك قبل حوالي تسعة عقود من الزمان. وبما ان التطورات في العالم العربي حية تتفاعل وتفتقر الى الاستقرار منذ الاستيطان الصههيوني لفلسطين في نهاية القرن التاسع عشر وبالتحديد منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨، يعيش العالم العربي في حاضر مستمر مستنفر تتدخل فيه عمليات خارجية مستترة. وهذا ما يجعل عدة عقود تنحصر في حياة كهل عربي واحد شاهد عيان لكل التطورات منذ الحرب العالمية الاولى الى يومنا هذا. وعلى الرغم من استعمال الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا (او الناتو بشكل عام) قواتها المسلحة وبشكل خاص سلاحها الجوي باستمرار منذ الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في العالم العربي منذ ما بعد نكبة فلسطين في ١٩٤٨ ابتداء من العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ مرورا بالحرب على ليبيا وقصفها عام ٢٠١١، وانتهاءاً (فقط للتو) بقصف سلاح الجو الفرنسي لمعسكرات تدريب 'جهادية' في شمال مالي في ١٣ يناير ٢٠١٣؛ فبودي التركيز هنا على مثال واحد يتمحور بكيفية تعامل القوات المسلحة البريطانية الحاكمة - المحتلة، وبالتحديد سلاح الطيران - في حالة واحدة ضد الوهابيين الجهاديين - دون اطلاق الاحكام - وانما من زاوية المقارنة التاريخية والتصرف العسكري لتوفر اوجه الشبه ولكي يفكر كل غربي وعربي من معسكر الحكومات الغربية قبل الرد على عمليات الحكومة السورية ضد الارهابية المرتزقة كانت وهابية او جهادية ... والخ .
***
اعود هنا مرة أخرى الى مليشيا المقاتلين الوهابيين الذين وصلوا الى مدارات عمان - الاردن عام ١٩٢٢. اما وقد كان البريطانيون آنذاك (بعد الحرب العالمية الاولى) في موقع عسكري متين وكانت غنيمة بريطانيا من الحرب العالمية الاولى وبما في ذلك اتفاقية سايكس-بيكو (١٩١٦) بين الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية السيطرة على العراق والاردن وفلسطين، فلكي تحمي بريطانيا الاردن من الهجوم الوهابي، اخذ البريطانيون بالتصدي للمقاتلين الوهابيين بجنودهم وبالتحديد بسلاح جوهم حيث قتلوا جميع الوهابيين الـ١٥٠٠ (الف وخمسمائة) ما عدا ثمانية افراد 'فقط هم الذين عادوا وعاقبهم ابن سعود فور عودتهم على القيام بغزو لم يرخص لهم به'. (حبيب، ص. ١٨٦). ورغم سحق هذه القوة من المقاتلين الوهابيين، فقد وصلت تقارير ديبلوماسية-مخابراتية بريطانية وسط عام ١٩٢٣ عن محاولات الوهابيين التبشير بأفكارهم واستمالة الناس في دمشق. فهناك برقيات على مستوى بريطاني عالي بما في ذلك من وزير المستعمرات آنذاك، وينستون تشرتشيل (١٨٧٤-١٩٦٥) يطالب فيها (من اصبح بعد ذلك رئيساً للحكومة) وزارة خارجيته الاستفسار من محافظ سيناء عن نشاط الوهابيين .إما دوليا، فان الصفقات ما بين بريطانيا وفرنسا لم تتوقف ابداً (فبعد بداية العمليات الفرنسية في مالي اعلن ديفيد كاميرون دعمه لها يوم ١٣ يناير ٢٠١٣) لانهم على الرغم من التنافس الكبير على مر العصور، فكلما تقدمت العلاقات على الميزان الزمني كلما اصبحت علاقتهما تتبلور عبر الحوار والتفاهم والمصالح المشتركة لا التناقضات. ففرنسا التي رسمت سوريا ولبنان من 'نصيبها' في اتفاقية سايكس-بيكو لم تقبل ان يستمر الملك فيصل (١٨٨٣-١٩٣٣) ابن امير مكة الشريف حسين وشقيق عبدالله ملك الاردن بحكم سوريا فباشرت بحملة تشبه ما يسمى في 'عبارات واعراف' العلاقات الدولية بـ'تغيير الحكم' - 'Regime Change' واعلنت الحرب على سوريا والملك فيصل بما اصبح يعرف بـمعركة 'ميسلون' عام ١٩٢٠ واقتلعت الملك فيصل (بعد اربعة شهور من تنصيبه) من سوريا ونصبته ملكاً على العراق. بالمقابل، اذا ما تابعنا التاريخ السياسي لمصر والجزائر وسوريا على سبيل المثال فسيبدو جليا ان هذا الصراع (قبل الاحداث التي انطلقت في يناير ٢٠١١) ما بين الحكم الغير وهابي-سلفي والمجموعات التي تعمل في فلكها وتدخل القوى الاجنبية ما زال مستمرا منذ اكثر من قرن. فاقليمياً (عربياً) ومحلياً، فعلى سبيل المثال في عهد عبد الناصر (وحكم القوميين) تم اعدام زعيم الاخوان المسلمين السيد قطب وفي سوريا رآت الدولة ان وجود الاخوان في الدولة يناقض ايديولوجية الدولة والمجتمع ومستقبل سوريا ولذلك جاءت احداث حماة عام ١٩٨٢. فكلمات الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ما زالت تجلجل الى هذه الساعة وكأنه تلاها يوم امس حيث قال معبرا عن ايديوليجية الدولة ما يلي: 'لا اخطر على الاسلام من ان تشوه معانيه ومضامينه وانت تلبس رداء الاسلام وهذا ما يفعله الاخوان المجرمون'. هذه الكلمات توضح بشكل كبير الشرخ ما بين ايديولوجيتين بشكل خاص في العالم العربي (هناك طبعا عدة ايديولوجيات في المجتمعات العربية) : القومية-العلمانية والدينية-الاصولية.
***
هذه المليشيات الارهابية او المجموعات الوهابية - السلفية التى تؤمن بتوظيف الاسلام لتبرير استعمال العنف لتحقيق أهدافها السياسية كانت موجودة دائماً في العالم العربي (والقاعدة احد امتداداتها) وان ظهورها الفاعل على السطح وعملها الارهابي كان نتيجة اما لتلقيها الدعم الكافي او السماح لها بالعمل والنمو داخل الدولة الداعمة او كأداة تستعملها دولة معينة ضد النظام في دولة اخرى لتقويضه غالبا مع دعم مالي وعسكري اقليمي وغطاء دولي مقابل صفقات اقتصادية لا يتم التصريح بها الى الجمهور. وبالمقابل لم تختلف ردود فعل العاملين ضدهم من حكام ولذلك فلا يحق لا لفرنسا ولا لبريطانيا انتقاد الدولة السورية على الاطلاق لما تقوم به تجاه هذه المجموعات فلتنظر في جعبتها اولا فكما يبدو ان الجمل 'الغربي' لا يرى سنامته المتضخمة المجترة للصواريخ.

Tuesday, 1 January 2013

كل عام وانتم بخير - مع المزيد من التسامح

كل عام وانتم بخير


01.01.2013



تحياتي لكل فرد منكم على حدة، و

اكتب هذه الامنيات كـنشاط اجتماعي واحد من نشاطي اليومي والذي 
 تم جبله بشكل طبيعي في سياق اجتماعي تضمن العديد من الحوارات والاحاديث مع  افراد وجماعات على مدار سنة  ٢٠١٢
،امنيتي المتواضعة لنا جميعا في العام ٢٠١٣ الجديد، هي النجاح في تعميق  فهمنا لقيمة، أظن آنها عليا   
  وهي ان نستوعب ان - احترام الآخر  ورأيه  - مهما كان -  {بما في ذلك مبدأ ضرورة التحاور باحترام وادب رغم عدم الاتفاق}، هو مركب من مركبات احترام الذات.  

وانك،  وعلى سبيل المثال، قد ترى تناول موضوعات سياسية كأمرٍ مسلٍ في جلسة اجتماعية (رغم جديته) بينما قد ي\ترى  صديق\تك  التسلية عبارة عن حديث عن الطبيخ - ورغم ذلك، فلا يحق لطرف ان يظن انه هو 'المحق' او 'الصحيح' بل ان تتم عملية قبول متبادل.و  

وان نعي تماما ان حرية التعبير عن الرأى كـ 'قيمة' حياتية، تعني ان تقبل، ان لمن يحاورك رآي آخر، وانه ورغم الخلاف معه\ها  فيجب ان نقبل ان  له\ها  موقف مغاير… وانه يمكن جدا ان بعد 'محاولة حوار 
اقناع'  -(طويلة او قصيرة)  لا اكراه فيها - ان تبقى المعادلة (المسافة) كما هي {بدون تغيير مواقف}، وعليه فيجب الاعتراف بحق الآخر بالوجود الجسدي والفكري  - بشكل متسامح - لا ضغينة ولا كره ولا
 انتقام فيه (في الاعتراف). وأنه صحيح ان الحكم (واتخاذ القرار) يجب ان يستند الى رآي الاغلبية  - الا انه لا يمكن لاية غالبية ان تبطل حقوق الاقلية او الافراد (بالعيش كما يريدون) طالما لم يعتدوا على حقوق الاخرين.و

مع المزيد من التسامح

كل عام وانتم بخير
مكرم خُوري - مَخُّول 



-- 
MKM
د. مكرم خُوري - مَخُّول 
Dr Makram Khoury-Machool
Cambridge, England, UK



Thursday, 20 December 2012

كتاب 'مجلة حيفا' للمؤلف محمد سليمان - مقدمة د. مكرم خوري-مخول

كتاب 'مجلة حيفا'
 للمؤلف محمد سليمان
 يربط بين الماضي والحاضر 

مقدمة الكتاب بقلم :
د. مكرم خوري ـ مخّول
2011-04-10

 
يشكل البحث العلمي ركيزة أساسية في تطور وتقدم الأمم، وكلما تطور، كلما أسهم في عملية التعليم العالي، وبالتالي في كيفية تعامل الأجيال مع عوامل التطور والتقدم بدءا من الاقتصاد والتكنولوجيا كقطاعات وطنية وانتهاء بطرح الأبحاث وتحويلها إلى 'أوراق سياسية' خطط وبرامج يبنى عليها لاتخاذ القرارات في شتى مجالات الحياة، وفي المقدمة منها العلاقات الثقافية-السياسية عبر القنوات الدبلوماسية والقنوات الثقافية الإبداعية حيث يتغلب العقل والمنطق.
في هذا السياق بالتحديد، ليستميحني القارئ الكريم عذرا، إن قلتُ بأن المؤسسات والحكومات العربية لم تولي المبدعين والباحثين الاهتمام المطلوب حتى يقدموا لنا خلاصة تجارب من سبقنا في هذا المضمار، بعد أن كان يوما منارة إشعاع للباحثين والعلماء.
خطر لي الإشارة لما سبق وبين يدي جهد بحثي علمي غير مسبوق للإعلامي الباحث والكاتب الأستاذ محمد سليمان، في كتابه الجديد 'مجلة حيفا' التي تقوم مشكورة 'شبكة أمين' بإصداره.
'مجلة حيفا' هو كتاب أقترح إقراره في منهاج كليات الإعلام وشتى أقسام العلوم الإنسانية والاجتماعية في الكليات الاخرى، ليكن في سياقه الأوسع، الذي يربط بين الماضي والحاضر دون توقف أو انفصال زمني، متوقفا عند العلاقات السببية ما بين العوامل الاقتصادية والسياسية. لا شك أن ابرز العناوين القومية للشعب الفلسطيني ما قبل نكبة 1948 كانت حركة الصحافة الفلسطينية التي تعددت عناوينها وتشعبت مجالاتها. والدارس لتاريخ هذه النهضة الثقافية قد يوافق على أنها كانت حركة دؤوبة صهرت أهم مشروع ثقافي شيدته الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية الفلسطينية بالتعاون مع المثقفين والأدباء الذين زخرت بهم صحافتنا، هي صحافة أسهم في تطورها القطاع الخاص وعدد من المبادرات الفردية التي قادها كتاب وأدباء وشخصيات وطنية كان لها دورها في الحركة الوطنية في فترة تعد من أهم حقبات التاريخ الإنساني الحديث.
إن الجهد البحثي الرائع الذي قام به الأستاذ محمد سليمان، يقع في إطار إحياء التراث الفلسطيني، الذي ظهر وكأن أحدا لا يريد نفض الغبار عنه، فجاء باحثنا ليقوم بذلك، وينقله من العتمة إلى دائرة ومركز الضوء وهو بهذا الاهتمام قد جعل لبعض مكونات التراث من الحاضر الذي ينسل من بين جنبات الماضي ليشكل المستقبل. وتبدو الاهمية الفائقة لمثل هذا الفعل عندما نستذكر أن ظلمةً أخرى تنسل لسرقة رواية التاريخ كما يريدها الاحتلال، وسباقنا هو في رسم مستقبلنا كما نحن نريد، وهو صراع الحق والباطل.!! على أرض الواقع وفي ظل مستجدات الحاضر الفلسطيني نبشر بزوال هذا الباطل الذي هيمن على رواية الحقائق عبر ماكينة إعلامية سيطرت لفترة طويلة على الرأي العام العالمي.
كتاب 'مجلة حيفا' هو بمثابة مشاركة في التصدي لهذه الهيمنة الثقافية-الإعلامية، لذلك هو عمل ريادي سباق بكل المقاييس، لباحث يجب أن يحذو حذوه باحثون كثر في الأطر الأكاديمية المختلفة، فلسطينيا وعربيا وعالميا، حيث يحرز الكتاب تقدما نوعيا في إطار الصراع على سلطة الثقافة السياسية والتي تشمل دراسة الصحافة الفلسطينية.
وحقا، لا يمكن لبحث واحد أن يلم بكافة المواضيع حول تاريخ الصحافة الفلسطينية، فيطبق الكاتب ما هو مستحسن أكاديميا، ويغوص في العمق يزودنا بالخلفية التاريخية النيّرة ولا يتوسع أفقيا، حيث يتركز في دراسة حالة بحثية واحدة وبشكل تفصيلي. فالعمل على انجاز مثل هذه الدراسة لا ينبع فقط من أهمية دراستها كمادة 'تاريخ' والتطرق إليها كعملية تابعة للماضي البعيد أو على شكل 'تراث' يتعلق بـ'القدامى والعتقية'، بل إن هذه الدراسة تعكس حركة اجتماعية-سياسية صاخبة دمجت المحلي بالقطري وبالعالمي، وهي تروي سيرة حركة صحفية نشطة ذات رؤى سياسية شائكة، كما وتعكس حياة شعب تخضرم ما بين الاحتلال العثماني والاستعمار البريطاني . وهذا الربط يوصل تلقائيا صحافة ما قبل النكبة بما بعدها وحتى يومنا هذا.
إن دراسة تاريخ الصحافة والإعلام مطلوبة لفهم تفاعل الحركات الاجتماعية، وهي مسألة مفيدة جدا، ويجب ألا بغيب عن بال احد أن دراسة ديناميكية المؤسسة الصحفية/الإعلامية آخذة بالتطور باستمرار منذ أربعة عقود. وان في غالبية المناهج العلمية هي بحاجة لأبحاث على غرار بحث 'مجلة حيفا' كما فعل الكاتب. ومن الممكن القيام به لاستقصاء المعلومات لا غير، وهذا هو الاستعمال الكلاسيكي. ولكن هناك استعمالا آخر وهو دراسة الصحيفة أو المجلة وفحواها ومضمونها كمنتوج إعلامي يتضمنه خطاب سياسي قد لا يدل أو يدل (كما هو الحال في دراسة 'مجلة حيفا') على وجود إيديولوجية معينة لأصحاب المجلة، وهذا ما يضيفه محمد سليمان على وجه التحديد. وللتوضيح، فالأمر الأخير يأخذنا إلى عملية دراسة الصحافة كمؤسسة إعلامية تتشابك فيها مسألة الإيديولوجية بالملكية وبالبرنامج السياسي لملاك المطبوعة حيث تتقاطع المصالح التجارية للفرد العامل فيها، وغالبا ما يؤثر ذلك على مسارها السياسي، واستمرارية صدورها أو توقفها. وكل ذلك يجب أن يثبت بواسطة البحث العلمي لا عبر صفحات إنشائية. ففي اللغات الأوروبية يستعمل مصطلح (Research) ولا يقصد به البحث الأولي فحسب، وانما البحث عن كثب و/أو إعادة البحث عن قرب وبعمق. وهذا ما يوفره لنا المؤلف بجدارة، مقارنة ببعض المنشورات الصادرة في عالمنا العربي.
وهنا من المفيد التنويه بنقطة تتعلق بهوية المؤلف وخلفية الباحث والأبعاد السياسية لهذا الموضوع. فيجيد الباحثون في هذا العصر (والمستشرقين منهم على وجه التحديد) لغات متعددة تمكنهم الولوج بأبحاث علمية عن فلسطين والأمة العربية والصحافة الفلسطينية، شريطة تمتعهم بالقدرات العلمية، وهذا شيء مهم يجب مراقبته والاستفادة منه حيث أمكن وباستمرار. إلا أن قلة منهم كرست الدراسات الجدية في هذا المضمار. لكن الأهم هو قيام باحثين وكتاب فلسطينيين بالغوص في الأبحاث على شتى تفرعاتها وبالتحديد الصحافة، مستعملين ما تيسر لهم من أدوات ومناهج علمية. وفي هذا السياق، يتمتع محمد سليمان بعدة ميزات مهنية أهلته لانجاز هذا البحث الهام الذي نحن بصدده. فقد عمل في شتى مجالات الإعلام الفلسطيني المسموع والمكتوب منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية من موقع المهني-القيادي، وساهم بإدارة سياسة وزارة الإعلام، ونشر العديد من الأبحاث القيمة، أضف إلى انه عايش عن كثب مسيرة الصحافة الحزبية-الحركية وهو ما يؤهله أكثر من غيره، الكتابة عن أول مجلة عربية يسارية 'مجلة حيفا' حيث انه يدرك بجدارة الخصوصية الثقافية لشعبة وحضارته، ويبحث عنها مجددا بأسلوب قريب جدا من الأسلوب الأكاديمي (إلا أنه أكثر سلاسة) ليدونها ويحللها منطقيا.
النقطة الأخيرة التي تجعلنا نثمن هذا العمل الطليعي للكاتب، هي انه دمج الاستكشافي بالوصفي، طارقا باب 'الجديد البحثي' (وهو شرط من شروط أطروحات الدكتوراه) وقام بالتمحيص البحثي مزاوجا إياه بتحليل نقدي جريء لا مصلحة خفية فيه.
وان اختياره 'مجلة حيفا' يسلط الضوء على مسيرة انخراط مجموعة من المثقفين الفلسطينيين في إطار الصحافة الشيوعية في فلسطين. فرغم أنظمة الطوارئ التي فرضتها مؤسسات الاستعمار البريطاني فترة احتلالها وفيما بعد شرعنه احتلالها بـ'انتدابها' على فلسطين وفرضها أقسى أنظمة الرقابة على الصحافة، والتي نالت غالبية الصحف الفلسطينية المقاومة منها ابتداء من صحيفة 'الكرمل' الريادية لشيخ الصحافة الفلسطينية نجيب نصّار في حيفا ومرورا بصحيفة 'فلسطين' (لعائلة العيسى اليافية) العريقة أو انتهاء بجريدة 'الاتحاد' الحيفاوية (وهي أقدم جريدة فلسطينية على قيد الحياة) بقيت الصحافة تعارك وتقارع للدفاع عن فلسطين. إلا أن الدارس للصحافة الفلسطينية التي صدرت عن الحزب الشيوعي في فلسطين (بمسمياته المتعددة ومنها 'عصبة التحرر الوطني' ابتداء من 1944 بقيادة أمثال الراحل إميل حبيبي) نتيجة قوانين الحظر يلاحظ انه إضافة إلى الحظر المحلي، فقد تعرضت إلى أنواع عقاب ذات أبعاد عالمية ارتبطت في العلاقات الدولية ما بين الإمبراطورية البريطانية بالاتحاد السوفيتي وعلاقاته بالأحزاب الشيوعية عالميا بواسطة 'الكومينترن' ودور الأخير بحركات التحرر والمقاومة.
يزيد كتاب 'مجلة حيفا' من أهمية دراسة الصحافة الفلسطينية لكونه ينشر جانبا يحلل نمط مجلة سياسية معارضة خلطت المفهوم الاقتصادي-السياسي للطبقية في المجتمع الفلسطيني، ومسألة التحرر القومي دوليا ونظرية الأخوة و'التعايش بين الشعوب' كجزء من إيديولوجية عالمية في فلسطين وباللغة العربية.
وبما انه يدور الحديث حول الصراع على الثقافة في هذا السياق، فان ما يضاعف من أهمية كتاب 'مجلة حيفا' بشكل كبير هو أن المؤلف يزيد متانة الرؤية الفلسطينية للثقافة الفلسطينية والتي يراد سلخها عن الشعب الفلسطيني، في إطار حملة تعريته من حضارته فيتم تبرير المقولة الدعائية 'ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض'. حيث لا ثقافة-لا شعب، ويثبت المؤلف جليّا وتكرارا وجود ثقافة لشعب كان وما زال يناضل للحفاظ على أرضه، ليعيش وليبقى الإعلام ضلعا من ضلوع الحركة القومية الثقافية الفلسطينية.
إن ما أنجزه الإعلامي والباحث المخضرم محمد سليمان، وهو الذي يستند على خبراته الغنية ويسخّر مهاراته البحثية، هو بمثابة إنقاذ جزء اثري وثري من ثقافتنا العربية الفلسطينية، لا بل بعث الحياة فيها حيث حوّلها من قطعة أثرية منسية بين طبقات الغبار المتآمر في قلة من سراديب الأرشيف، إلى جسم حي يتنفس على شكل نص تم إنقاذه ومعالجته وتحليله وصياغته ككتاب بالـغ الأهمية، لانتزاع العبر منه وذلك في سلسلة من المنشورات التي ما زالت بحاجة إلى المزيد من المبادرات العلمية عن الإعلام الفلسطيني وتاريخ الصحافة بشكل خاص. حقا إنها لمساهمة رائعة للمكتبة العامة.
كيمبريدج، انجلترا

The First Palestinian Intifada -


AN ARTICLE BY MAKRAM KHOURY-MACHOOL
Gaza - This is Not a Revolt, This is a War
December 2012 will mark the 25th anniversary of the first Palestinian Intifada.
Dr Makram Khoury-Machool was the journalist to announce the outbreak of the Intifada in Haaretz’s supplement, back in December 1987. He was shot in the face and his report became a media event. This article was translated into English 25 years ago by the late Israel Shahak.

18 DECEMBER 2012
A long film, whose end we cannot yet see, began with a long wait at the Gaza taxi stop in Jaffa. For an hour, not even one taxi arrived. A Gaza taxi driver who was stuck with his taxi in Jaffa was not in a hurry to take me. Even on the way he continued to hesitate: “I don’t know if I should have returned to Gaza today. We all know one thing: if Israel Radio’s Arabic service says that the situation is calm, it’s a sign that the opposite is true.” Shortly after 9:30 I got out at Bayt Hanun. I had more than an hour to wait before my meeting with the leader in the center of Gaza City.
The streets were empty of people. After a few minutes I saw three army jeeps by the side of the road, and not far from them stood more than ten soldiers who opened fire down one of the side roads. Walking on south, toward Gaza, I passed the soldiers, and suddenly I found myself in no-man’s land. From one side hundreds of demonstrators approached me, throwing Molotov cocktails, stones, and sticks. Behind me were the Israeli soldiers, who were now firing at the demonstrators. I saw the soldiers firing the guns at their stomachs and pointed straight forward. The bullets passed by me. I heard their whistles. I had not managed to work out how to get away, when I found I was covered with blood. I felt no blow or pain. It was as if someone had poured a bottle of blood over my head. I pulled a red and white kuffiyyah out of my bag and bandaged my head with it.
Meanwhile I moved to the side of the road, away from the center of the conflict. A passing taxi picked me up and took me to Shifa Hospital in Gaza. During the whole journey, I heard bursts of fire.
At the entrance to the hospital about thirty doctors in white gowns stood waiting for casualties. I was the first. They took me into the operating theater, and ten doctors, including surgeons, all began to treat me at once. One of them took my blood pressure, a second my temperature; a third checked my stomach; another connected me to an ECG machine. I was injured in the face, next to my nose. While they were stitching me up under a local anesthetic, a lad of about 17 was brought into the hospital. He had been shot by soldiers at the incident in Bayt Hanun. From the operating table, I saw in the mirror the barrel of a gun waving nervously across the windowsill. The second casualty died on the operating table, right next to me.
I left the theater straight into the hospital courtyard. Seven soldiers stood at the side and arrested all the youths who came to inquire about the condition of their wounded comrade. I decided nevertheless to try to reach the meeting place. A man was waiting for me there, and he took me to the leader.
The condition was that I should not know his name nor other identifying details such as where he lived, where and what he studied. Later I saw him in action, giving orders, receiving reports, directing thousands of people against the army. Twice I saw IDF soldiers withdraw.
He speaks perfect literary Arabic and also good Hebrew. His speech is open and decisive, laced with figures and data. Every half hour he received up-to-date information from his people on what was going on in the Gaza Strip. Around him I saw five people who kept him supplied with news. During the day, I was with him in various parts of Gaza and the refugee camps of Jabalya nad Shati’. He always stood erect, steady, almost without moving. In every place, people were drawn to him as to a magnet. I talked with him as we walked along the paths and alleys between the houses.
The Gazans who saw me at his side asked what I was doing there. They expect that journalists, foreigners as well as Israelis, will sit in the military headquarters or travel about surrounded by 20 jeeps, take a few photo- graphs, and leave. The leader said about this, “We told all our people not to believe the signs which say ‘Foreign Press’ because the settlers, the army, and the occupiers are behind them, in order to hitch a lift and get into the Strip. ” But despite this, he said, “The progressive Jewish journalists are the most intelligent and best people in Israel.”
The bandage on my head broke some of the barriers of suspicion. As far as I was able to tell, he spoke to me candidly and with a great deal of honesty. “They are not really demonstrations and this is not a revolt,” is the leader’s contribution to the debate in Israel. “This is a war that continues 24 hours a day. We are working in rotation. The order was that the youngsters should go in the front, facing the fire, and they don’t hesitate to do so. They block the army’s central route. It is the first time in history that this has happened. I go through the whole Strip and instruct them in the camps. It’s not just school children. By now it includes everyone aged from nought to a hundred. Here is a 55-year-old woman who took part in the events and was hit with a stick by the soldiers. The women are not afraid. Ninety percent of the people in Gaza belong to political groups. They don’t need instructions from anybody. In any case, people who live under occupation and oppression do not need someone else to incite them.”
How do you organize the demonstrations now?
“Once, in order to start a demonstration, we would send the children to organize a disturbance. Now, everyone is out on the streets at 3 in the morning. Not ten or twenty people, but hundreds. We don’t have a timetable, but we already have a custom, waves of people going out, at 3 am, in the morning, at midday, early evening. From the evening until 3 am, we sleep and organize. Sometimes, if the situation demands it, we even go out at 10 pm, because during the night, the army doesn’t effectively control the streets and doesn’t know the local topography, so we are in control. For instance, yesterday in Jabalya refugee camp, there were demonstrations all night and there was not a single soldier, even though there was a curfew. The soldiers simply fled, because thousands of people formed a sort of moving human wall, and nothing will work against something like that, neither an iron fist nor bullets.”
Aren’t you afraid?
“It is forbidden. It is simply forbidden to be afraid of anything. The occupation authorities think that if someone dies and they take the body and permit the burial only during the night, then there will not be any disturbance. But our thinking has already passed this barrier. The new system is that we snatch the body from the hospital and bury it and turn this into a sort of spontaneous demonstration. We also forbade the doctors to give the bodies to the military authorities, and anyway the doctors are not in control of this, for we have no difficulty in snatching the bodies. For instance, in the past few days we have snatched four bodies and organized night funerals which have turned into demonstrations. Then the whole area, like Khan Yunis yesterday, is out on the streets. Not a single person stayed at home. Thirty-five thousand took part in that funeral. During the funeral, we injured seven soldiers. Yesterday, I made a few trips, from Khan Yunis to Rafah and from Rafah to al-Burayj. There were tens of thousands, and until 3 am the army could not break in. The distance between the Gaza sentries and the army was fifty meters, and the army simply didn’t dare to come in.”
In one of the side roads, someone came up to him and said that a 17-year-old boy had been murdered in Bayt Hanun. That was the lad who had died on the operating table next to me. All the time, he received reports, how this youth had been struck, whether with a stick or something else, on what part of the body, and where this had happened. He explained that the distribution of leaflets from any organization was forbidden, but if he wanted to he could organize the distribution of leaflets every day, without problems [sic]. “We already know how to identify their civilian information. We feel their presence, particularly in the mornings. We have seen to it that the army does not know who the inciters are. The authorities will not see another inciter. There is an instruction, and everyone goes out, quite spontaneously. There are no single inciters.”
When I asked him about the role of the leader in directing the masses, he was modest. “No, not exactly a leader. More like a giver of order.” But the hours that I spent in his presence showed that his orders are carried out with an almost religious obedience.
This is how he sees things. “Out of 650,000 residents of the Strip, the occupying authorities have so far arrested 47,000. Every one of them is already his own leader where he lives. The arrest creates a leader. We cause the politicization of the people, and they like this because they need it. Let no idiot think that external forces are directing what goes on inside. The people inside belong to all sorts of organizations, which are like political parties of the nascent state. Even those who do not belong to any group identify with the overall struggle.”
Over the years, a sort of quiet hatred has developed among the residents of the Strip for their compatriots in the West Bank. They feel neglected, even forgotten. The journalists reporting on events in the territories usually set out from Jerusalem. They easily reach Ramallah or Bethlehem, but rarely get to Gaza. So the West Bank naturally gets press coverage, even when much more important things which are happening in Gaza don’t find any expression in the media.
Loyalty to what is called “unity of Palestinian ranks” prevents the Gaza residents from expressing their frustration, but many of them feel that the national leadership in the West Bank looks down on them in the way town-dwellers usually regard residents of some distant province. The leader was only prepared to say these few words about the differences:“The Gazans, if they decide to do something, carry it out to the end. The West Bank is almost paradise compared to the Gaza Strip. Even such a simple thing as a passport is denied to them. The only thing that most of them have is a refugee card.”
Perhaps this is the reason that the Gaza Strip has always been distinguished by a large measure of independent action. At the end of the 1960s, the underground groups used to organize under the umbrella of one of the Palestinian organizations, but even when contact was made with the leadership outside, it was hard to maintain it. Decisions on activities were taken in the Strip, and the residents usually got hold of the arms and sabotage materials by themselves. In recent years, it has been decided to maintain a strict separation between the armed groups and the activists considered “political.” In no case have shots been fired at the army from among the demonstrators, which should have been likely to lead to a bloodbath. The local leaders are responsible for this discipline.
“Every quarter has its own leader, who is usually some major personality. He will be known for this high political consciousness, for his charisma, and he will not have to do that much persuasion, for the situation helps him, and he will just have to give the signal. Every one of these leaders has already become a symbol. In a large quarter, there will be two or three leaders. The detainees are usually political people, who belong to an ideological current and not necessarily to a particular organization. The leader creates around himself an organized mass which at any time can go and do whatever is necessary. In effect, we want the army. We don’t demonstrate when it isn’t here. We want it in order to confront it, in whatever way we can.”
Referring to the efficiency of the organization, he said:“Yesterday, five hundred women went to Bayt Hanun, and they only knew of the planned trip five minutes before they left. The conscription of all levels of the population is in effect like a military operation. When we want to operate through the whole Strip, our short experience has taught us that within a few minutes we can block the main traffic route leading out from the Strip. When the army says that it has opened the main road, it is a lie because the road is blocked by our people.”
He stressed: “It is not correct that the mosques are center of incitement. We only use the mosque loudspeakers, nothing more. Now the whole community is united in one front. At the moment, it doesn’t matter who the organizations are, even though it is known that the Popular Front is more revolutionary than Fateh. The basic presence on the ground is of the Popular Front and Fateh, though in terms of numbers, Fateh is bigger.”
Suddenly he disappeared. I don’t know where to. He didn’t say goodbye or farewell. I met him again about an hour later in Shifa Hospital, in which his forces had been besieged for the past five hours.
Shortly after 11, I arrived at the Red Cross building, in which about two hundred lawyers had been barricaded since the morning. At 11:45, they decided to go out for a silent procession to the hospital, which had filled up with casualties over the previous two hours. A strange procession in the Gaza street, many grey heads, tens of men in suits and ties and polished shoes, marching silently between the smoking tires. In the hospital courtyard, the leader received them.“Take off your ties and join in with everyone else,” he told them. Some of the elderly lawyers were offended. After five minutes, they were all busily throwing stones at the soldiers surrounding the area.
A small mosque stands next to the hospital. The leader went in, put a few guards at the door, took over the loudspeakers, and let his men in. The news of the death of the boy from Bayt Hanun started to spread, and hundreds of people streamed toward the hospital. Within an hour, thirteen people arrived at the hospital with gunshot wounds. Among them I saw a girl who had a bullet in her bottom, and a youth injured in his arm – two holes, entry and exit wounds of the bullet.
All of the hospital buildings were already full, thousands of people. Many of them were seeking shelter from the shooting in the streets, assuming that the army would not enter the hospital. It was hard to pass along the corridors. Shooting was heard again. Close, very close. The leader started to send his people out. The youths went out first, the adults next, and all the women behind them. The leader instructed them to pass stones from the rear to the front. A chain was formed, and a rain of stones was thrown out. After each barrage, the leader ordered, “Everyone, inside!”
The soldiers started to fire at a youth on the second floor of the east wing. He jumped into the courtyard to escape from the shots. A few soldiers came into the hospital grounds. The youth tried to escape, but saw a soldier facing him. He stopped running, stood facing the soldier, opened his shirt, bared his chest and said “Shoot!” The soldier pointed the gun at him and, from a distance of fifteen meters, fired.
This happened in front of my eyes, less than twenty meters from me. The soldier’s face is engraved in my memory. From all around shouts were heard, “Wounded! Wounded!” The shooting continued. The leader or- dered, “All the women, out, to the wounded.” They went and fetched the body and put it on a stretcher. I went into the theater. The doctors told me that the bullet had cut a main artery. Immediately it was known that the boy was dead, masked youths came and took away the body. The soldiers withdrew about 300 meters, to ‘Umar al-Makhtar Street.
The youths marched with the body in a short procession and disappeared within minutes. A few hundred people arrived with each further casualty or body. They started to make Molotov cocktails in the hospital. I saw a little boy take a bottle from the floor, pull out from his pocket a plastic flask of turpentine and a rag, fill and seal the bottle, light a match, and throw it. Flames started to rise from the tires which had rolled into the courtyard. The leader told me that, in addition to the stone and the Molotov, they had returned to an ancient method: the sling and stone, like David.
The soldiers, who in one of their assaults had come very close to the hospital, were trapped between the burning tires, and hundreds of demon- strators started to surround them. The soldiers tried to flee, but the demonstrators managed to capture one of them. All of his comrades ran.
The captive was stripped of his clothes. His jacket, his pack, and all of his equipment were taken. Nobody touched his body, and he was released wearing only a pair of torn trousers. If they had wanted, they could have killed him. They opened the pack, searched it, and asked where the grenades were. Some of them started to dance, with the rifle magazine in one hand and a “V” sign on the other. They threw the soldier’s jacket and shirt on the ground, and pressed around to trample on them.
I asked them, “What are you so happy about?” and they replied, “It is the greatest humiliation for the occupation.”
After this victory, the leader found a few minutes for me.“Once it was difficult to hold even a strike,” he said. “Today, they strike easily. The army opens the shops, and they close them. Rashad al-Shawwa, who no longer has any influence, says that what is happening in the Strip is an expression of people’s despair. But those in despair do not struggle. They surrender. We don’t actually have firearms, but even so, if the situation continues we won’t only push the soldiers back to Eretz Junction [the major road junction outside the Gaza Strip], but to Tel Aviv.”
My injury started to bother me. A few doctors ran after me, offering me ice compresses. One offered me antibiotic capsules. By the way, after midnight, when the hell was already behind me, I was forced to wait for four hours for treatment in Ichilov Hospital in Tel Aviv.
A further casualty, who had been shot in the head, was brought to the hospital gate. He died a short time later. His body was snatched. The soldiers again entered the hospital courtyard. Bursts of fire were heard in the building. The echo added to the noise and confusion. People started to barricade themselves inside. There were already a few casualties, but there had been no time to treat them. The leader shouted to the women to go out and treat the wounded, despite the danger.
For each casualty, twenty people rushed to give blood. Twenty-eight casualties arrived within a short time, three of them with serious injuries. One of them died at 7 pm. In the operating theater, tens of doctors were working without a break, like a conveyor belt. At about 1 pm, a ten-year-old boy was shot in the hospital courtyard, in the sight of his mother. His body was wrapped in a green hospital sheet and placed on a wooden board, adorned with two palm fronds.
I went up to the roof. At 3:15, the aerial attack started; a helicopter circled 18 times and dropped tear gas grenades. Everyone started to cough. Those who didn’t get gas from above got it from below. Shots were heard from the direction of the helicopter. I heard the army loudspeaker announce that the hospital had been declared a closed military area. The area was attacked from three sides. The iron gates were broken down at once, and 45 minutes of shooting started. Forty Gazans were arrested. Many were injured. I saw a man running, dragging his foot.
I felt like a live target. It’s good that my tape is on, I thought. At least it will be able to record how I was killed. Meanwhile, about thirty jeeps entered the hospital area, and shots were heard from all directions. Some of the injured jumped over the hospital fence into the neighboring orchard. Others fled into the alleys between the nearby houses, into which it is hard for the army to penetrate. I heard the shouts of the mukhtars, who are being beaten with sticks.
I went into one of the nearby houses and dialed the Ministry of Defense, the prime minister’s office. Engaged. No line. I dialed the Knesset. They told me that there was not a single Knesset member on the premises. “They are somewhere in the area, but it is impossible to get hold of them.” The operator managed to get hold of Tawfiq Ziyad. “I will raise this in the Knesset,” he told me. I also contacted the Red Cross. They said they would come. They didn’t come. I checked my pulse. One-hundred and twenty beats per minute.
A demonstration of thousands of people from Shati’ refugee camp reached the hospital. They had heard of the deaths. In the street, I met the doctor who had seen me when I was injured in the morning. He suggested that I rest at his house, with the help of some pills for the pain. Another doctor was sitting in his house. They both checked me. They said that perhaps I had a broken chin. At 4 pm, the curfew started. Night began to fall. The army cut off the electric supply, and the residents sat in dark homes and lit candles. In the Muslim Quarter of Jerusalem, Ariel Sharon lit the first candle of Hanukkah in his new home.
I went onto the roof of the doctor’s house. All around, there were gatherings of people and burning tires. The soldiers had disappeared. The darkness, say the Gazans, is the best weapon against the occupation forces. There were thousands of people in the streets. That was what the curfew looked like. I contacted the paper, seeking a way out. Two Gazans checked the terrain and told me that the main road was blocked. The doctor suggested that I slept at his place. At 9 pm, the electricity returned. “Now the stone rules the streets,”they warned me. “Whoever goes out is in danger.” I decided to go out.
I walked about a kilometer through the empty streets to the police station. The gate was locked. The police pulled out their guns and pointed them at me and only after they had checked my documents permitted me to enter. When the car from the military government came to take me to Eretz Junction, a few police went up to the roof of the police station in order to protect me for the ten meters I had to walk in the street to the car.
At Eretz Junction, less than ten kilometers from the center of the events, a few drowsy reservists sat. They asked me what was going on in Gaza and how I had been injured. I told them that I had been asked to act as a referee in a basketball match between Maccabi Hebron and Hapoel Gaza. The crowd attacked me, I explained to them, and said that the referee was a son of a whore. One of the reservists told me that he was a basketball player himself. He asked me about the level of the Arab players and who won the match.
Makram Khoury-Machool